أبي أحمد حسن العسكري
18
كتاب أخبار المصحفين ( نوادر الرسائل 11 )
وكان النّاس في بدء الرّسالة الخالدة يحفظون ما يسمعون من الرّسول الكريم عليه صلوات اللّه وسلامه ، فكانت صدورهم أوعية لعلومهم ، حتى كانت أيّام الرّدّة واستشهد عدد من حفّاظ كتاب اللّه ، ففزع عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه إلى خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعرض جمع القرآن بين دفّتي كتاب ، وكان له ما أراد بعد جهد ؛ ثم استكتب « 1 » عثمان رضي اللّه عنه خمسة مصاحف وفرّقها على الأمصار ، فغبر النّاس يقرؤون فيها نيّفا وأربعين سنة حتى أيّام عبد الملك بن مروان ، فكثر التّصحيف على ألسنتهم ؛ فلمّا انتشر التّصحيف بالعراق فزع الحجّاج إلى كتّابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات تميّز بعضها عن بعض ، فوضعوا النّقط إفرادا وأزواجا ، وخالفوا في أماكنها بتوقيع بعضها فوق بعض الحروف ، وبعضها تحت الحروف ؛ فغبر النّاس بعد ذلك لا يكتبون إلّا منقوطا ؛ ومع كل هذا الاحتياط كان يقع التّصحيف ، فأحدثوا الإعجام فكانوا يتبعون ما يكتبون بالنّقط مع الإعجام ؛ ولم يحل ذلك دون وقوع التّصحيف فالتمسوا حيلة فلم يقدروا فيها إلّا على الأخذ من أفواه الرّجال بالتّلقين . وقد « 2 » فضح بالتّصحيف في دولة الإسلام خلق من القضاة والعلماء والكتّاب والأمراء وذوي الهيئات من القرّاء ، فكانوا موضع هزء وسخرية ممّن حولهم . ولا يمكن « 3 » أن يقدّر المرء خطورة التّصحيف إلّا إذا اطلع على قضايا منه أضاعت حياة أناس ، أو حوّلت مجراها ، أو هدمت سعادتهم ، أو عرّضتهم للهزء والسّخرية .
--> ( 1 ) التنبيه 27 ، شرح ما يقع فيه التصحيف 1 / 14 ( دمشق ) ، وفيات الأعيان 2 / 32 . ( 2 ) التنبيه 1 . ( 3 ) التنبيه ، مقدمة المحقق 5 .